لم يعد الأرشيف نشاطاً تقنياً يقتصر على إنتاج الوثائق وحفظها، ولا وظيفةً إداريةً محضة تتوخّى توثيق أعمال الأفراد والجماعات، وإثبات الحقوق العامة والخاصة، وتنظيم المعاملات، أو مجردَ مصدرٍ لكتابة التاريخ وتراثٍ ثقافيّ يحفظ الذاكرة؛ إنه أضحى، في السياق المعاصر، بنيةً داعمةً للحكامة داخل المنظومة الإدارية والمؤسساتية، بفعل امتداده الأفقي عبر هياكلها ووظائفها علاوة على الدور المتنامي الذي يقوم به في مجال اقتصاديات المعرفة، وعليه غدا الأرشيف عنصراً مركزياً في صياغة استراتيجيات تدبير شؤون الدولة، وتعزيز فعالية تنفيذ برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما تحوّل إلى أداةٍ لتقويم السياسات العمومية وترشيدها، ومرجعٍا لقياس مؤشرات الأداء وتقييم النتائج، ومنطلقٍا لاستشراف الخيارات المستقبلية وبناء الرؤى الاستراتيجية لعمل الدولة والمؤسسات والأفراد.
وعليه، فقد تجاوز الأرشيف الشأن الوطني الخالص، ليغدو مجالاً ذا امتداد دولي متزايد؛ إذ تخطّى وظيفته التقليدية المتمثّلة في حفظ الذاكرة الجماعية وصون التراث الإنساني، ليصبح اليوم ورقةً استراتيجية في الحسابات العالمية. فهو يمثل في جوهره رصيداً معرفياً وحضارياً، وآليةً لحماية الهوية وترسيخ مقومات السيادة وصونها، كما يعدّ دعامةً للتنمية المستدامة، لأن المعلومة التي يختزنها تُعد مورداً حاسماً للتخطيط السليم وتوجيه القرار.
ونظراً للمكانة المحورية التي أضحت تحتلّها المعلومة في تدبير الحياة المعاصرة بمختلف تفرّعاتها، فإن الأرشيف، بوصفه الحاملَ المؤسسيّ لها، بات يتبوّأ موقعاً متميّزاً باعتباره فاعلاً أساسياً ومباشراً في تنظيمها وتدبيرها، وتثمينها، وضمان إتاحتها وفق ضوابط واضحة.
وانسجاماً مع هذه التحولات والوقائع المستجدة المرتبطة بأهمية المعلومة، ووعياً بأهمية الأرشيف في النهوض بمغرب اليوم وبناء مستقبله، جاءت الرؤية الملكية المتبصّرة الداعية إلى النهوض بالأرشيف الوطني وجعله ملكاً ثقافياً مشتركا لجميع المغاربة، ورافعةً لإقرار الحقوق وترسيخ أسس الحكامة الجيدة والتنمية الوطنية على أسس ثابتة ومستدامة.
فكان إحداث مؤسسة أرشيف المغرب بموجب القانون 69.99 الصادر في 30 نونبر 2007، لتُناط بها مهمة حفظ التراث الأرشيفي الوطني، وتكوين أرشيف عمومي وحفظه وتنظيمه وتيسير الاطلاع عليه لأغراض إدارية، و علمية، و اجتماعية، و ثقافية.
واعتباراً لأهمية مجال اشتغالها وامتدادها الأفقي في تدبير شؤون الحياة العامة والخاصة، تم الارتقاء بها سنة 2012 إلى مصافّ المؤسسات الاستراتيجية ذات الدور المحوري في رسم التوجهات العامة للدولة.
وقد عملت المؤسسة، منذ شروعها في ممارسة مهامها سنة 2011، على إرساء الآليات الأولية لتنظيم العمل الأرشيفي بما يضمن جمع الأرصدة الوثائقية ومعالجتها وإتاحتها، رغم ما كان يواجهها من محدودية في الإمكانيات المادية والبشرية واللوجستية، وهي العوامل التي كان من شأن تيسيرها الارتقاء بعمل المؤسسة في تدبير الأرشيف الوطني وتمكين أجهزة الدولة ومؤسساتها، وكافة المواطنات والمواطنين، من الولوج إلى المعلومة المتاحة في الرصيد الوثائقي الوطني.
وتضاعفت هذه الإكراهات بفعل التحدّيات التي يشهدها العالم اليوم، في ظلّ تسابقٍ محمومٍ إلى امتلاك المعلومة واستثمارها في شتّى مجالات التأثير والاختراق السياسي والاقتصادي والثقافي، فضلاً عن وتيرة العمل المتسارعة التي فرضتها الثورة الرقمية وتنامي تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتطوّرها المتواتر.
وقد انعكست هذه التحولات بشكل مباشر على مجال الأرشيف وأساليب تدبيره واستغلاله، ولا سيما فيما يتعلق بالسيادة الرقمية وحماية المعطيات العامة والخاصة، وبالسرعة في استثمار الوثيقة والمعلومة التي تتضمنها، مما يسهم في تسريع بلورة الاستراتيجيات التنموية للشعوب وتعزيز حضورها الدولي سياسياً وعلمياً وثقافياً.
وقد وجد المغرب، وأرشيفه الوطني أيضاً، نفسه في عمق هذه التحولات المتسارعة، وأضحى لزاماً عليه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن ينخرط في هذه الديناميات العالمية المتسارعة، بما يخدم الدفاع عن القضايا الوطنية الكبرى ودعم السياسات العمومية، وذلك من خلال حسن تدبير المعلومة وتثمينها خدمةً للأوراش الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع النهوض بالبحث العلمي، الذي يُفترض أن يقود قاطرة باقي المشاريع ذات البعد المجالي والبشري، من قبيل النموذج التنموي الجديد، وورش الجهوية المتقدمة، وورش تحديث الإدارة العمومية وتحقيق السيادة الرقمية، ومشروع تنمية الساحل، فضلاً عن الدور الذي ينبغي أن يضطلع به الإرث الأرشيفي في دعم تموقع المغرب الدولي بما يخدم مصالحه الدبلوماسية والاقتصادية، وفي تفعيل دور الأرشيف في اقتصاديات المعرفة، وتنميته وتطويره.
إن تدارس هذه التحديات واستشراف سبل مواجهتها يقتضيان انخراطاً جماعياً لمختلف الفاعلين والمتدخلين في الشأن الأرشيفي الوطني. ومن هنا تنبع أهمية تنظيم المناظرة الوطنية الأولى حول الأرشيف، باعتبارها مناسبة لتعبئة الطاقات والخبرات الوطنية والدولية من باحثين ومهنيين ومسؤولين وممثلي المجتمع المدني، قصد التفكير الجماعي في بلورة استراتيجية وطنية متكاملة لتدبير الأرشيف، تستجيب للمتطلبات الآنية، وتنخرط بجدية في الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، وتواكب التحولات العالمية الرامية إلى تعزيز موقع المغرب في المحافل الدولية، وجعل الأرشيف الوطني مرجعا دافعا للتنمية الشاملة والمستدامة.
وترتكز هذه الاستراتيجية على المحاور التالية:
ونأمل أن يُسفر النقاش الذي ستشهده جلسات هذه المناظرة، وما سينبثق عنه من توصيات عملية، عن وضع أسس رؤية جديدة لاستكمال تنزيل ورش الأرشيف في بلادنا، وبلورة استراتيجية وطنية لتدبيره، بما يجعله موجهاً أساسياً للسياسات العمومية، وداعماً لمسار التنمية، ومطوراً لآليات الحكامة الجيدة، ودامجا للتحولات التكنولوجية، بما يعكس العمق التاريخي والحضاري للمغرب، ويسهم في حفظ ذاكرته المشتركة باعتبارها ملكاً ثقافياً لجميع المغاربة وللإنسانية جمعاء.
وزير الشباب والثقافة والتواصل، المملكة المغربية
أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية
رئيس المصلحة المشتركة بين الوزارات للأرشيف بفرنسا
الرئيس السابق للمجلس الدولي للأرشيف والمستشار الخاص للمدير العام لمكتبة وأرشيف الإمارات العربية المتحدة (مداخلة بالإنجليزية وعن بعد)
إعلامية ومديرة العلاقات الخارجية بالصندوق الوطني للإيداع والتدبير
دكتور في القانون العام ومكلف بالدراسات القانونية في مديرية أملاك الدولة بوزارة الاقتصاد والمالية
أستاذة بمدرسة علوم المعلومات بالرباط ونائبة رئيسة الجمعية الدولية الفرنكفونية للمكتبيين ومتخصصي المعلومات والوثائق
أستاذة بمدرسة علوم المعلومات بالرباط
أستاذ وباحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط
© 2026 Archives du Maroc. All rights reserved